الكلام خيرٌ من الصمت
جرت العادة في تعظيم شأن الصمت، وتحقير الكلام، والحقيقة أن ما أُلقي في روعنا من رفع مكانة الصمت، هو ادعاء باطل وينطلق من استثناء ضيق، يأتي فيه الصمت متقدماً على الكلام، فنحن هنا نقدم الاستثناء على الأصل في جميع الحالات أخذاً بسوء العادة وما تُردده العامة، وتُضرب الأمثال الكثيرة بين الناس في دعم ادعاء أفضلية الصمت، ومنها المثل المشهور القائل: إذا كان الكلام من فضه فالسكوت من ذهب، ويكأن صاحب هذا المثل يقول أن الموت أفضل من الحياة!! ومن ثم إن منفعة الصمت ضئيلة، مقابلةً بمنافع الكلام، فالصمت لا ينفع غير صاحبه، لأن باطنه الأنانية، والمنفعة الذاتية، وحسبنا في هذا فقط، أن يكون الصمت صفة سلبية والكلام متعدد خيره وعام نفعه، وإن أخطأ صاحِبهُ عاد إليه وتحمل وحده غُرم الخطأ، وعلى هذا يكون التكلم صفة إيجابية. وحينما سُئل زيد بن علي رحمة الله، أيهما خير الصمت أم الكلام قال : أخزى الله المساكتة، فما أفسدها للبيان، وأجلبها للحَصَر، والله للمُماراة ُ أسرع في هدم العِيَ من النار في يَبِس العرفج، ومن السيل في الحدور. ويعلق الجاحظ على ما حمل زيد بن علي إلى هذا الحُكم المتطرف، أنه يعرف أن المماراة مذمومة ول...