المشاركات

الكلام خيرٌ من الصمت

جرت العادة في تعظيم شأن الصمت، وتحقير الكلام، والحقيقة أن ما أُلقي في روعنا من رفع مكانة الصمت، هو ادعاء باطل وينطلق من استثناء ضيق، يأتي فيه الصمت متقدماً على الكلام، فنحن هنا نقدم الاستثناء على الأصل في جميع الحالات أخذاً بسوء العادة وما تُردده العامة، وتُضرب الأمثال الكثيرة بين الناس في دعم ادعاء أفضلية الصمت، ومنها المثل المشهور القائل: إذا كان الكلام من فضه فالسكوت من ذهب، ويكأن صاحب هذا المثل يقول أن الموت أفضل من الحياة!! ومن ثم إن منفعة الصمت ضئيلة، مقابلةً بمنافع الكلام، فالصمت لا ينفع غير صاحبه، لأن باطنه الأنانية، والمنفعة الذاتية، وحسبنا في هذا فقط، أن يكون الصمت صفة سلبية والكلام متعدد خيره وعام نفعه، وإن أخطأ صاحِبهُ عاد إليه وتحمل وحده غُرم الخطأ، وعلى هذا يكون التكلم صفة إيجابية. وحينما سُئل زيد بن علي رحمة الله، أيهما خير الصمت أم الكلام قال : أخزى الله المساكتة، فما أفسدها للبيان، وأجلبها للحَصَر، والله للمُماراة ُ أسرع في هدم العِيَ من النار في يَبِس العرفج، ومن السيل في الحدور. ويعلق الجاحظ على ما حمل زيد بن علي إلى هذا الحُكم المتطرف، أنه يعرف أن المماراة مذمومة ول...

كنوز من حجر

  تركت العمارة العربية تركة غنية للحضارة الإنسانية، ممتدة من الهند إلى اسبانيا، حجارة تنبض بالحياة وقصور تنطق عن تاريخ تليد، ومآذن ذات عماد ومساجد مليئة بالقباب مزخرفة ومنقوشة بخط عربي جميل، تحف فنية تلذ لها الأعين، شاهدة على العظمة الحضارية وجمال الذائقة العربية. يرجع تاريخ العمارة العربية إلى عصر الفتوحات، عندما اقتبست العرب من البيزنطيين مصادر فن العمارة، ولم يلبثوا طويلاً، حتى تحرروا من تلك المصادر فأبدعوا طراز مستقل منفرداً مليء بالروح العربية. فالأَقواس مما امتازت به العمارة العربية وهو القوس الذي يكون على نعل الفرس، والقباب ذات الخصر، وأما المتَّدليات أو المقرنصات ابتكار عربي خالص، لا ينازعها أحد في عروبتها، وهي التي تكون على شكل خلية نحل. وقد تمكن خبراء أوروبيين، من تحديد الألوان التي استخدموها العرب في تزيين جدران قصر الحمراء، بعد أن أفسد الاسبان نسق الألوان وطمسوا جمال النقوش نتيجة التعصب الوحشي.  فاللون الأزرق والذهبي والأحمر هي ألوان القصر، والأعمدة مصبوغة باللون الذهبي وذلك لينسجم مع الزخارف ذات الألوان الكثيرة، وهذا يدل على معرفة فنية كبيرة، وذوق سليم في تحديد أز...

فلسفة الكرم عند العرب

  للعرب في الكرم مسالك عجيبة وأقوال و أشعار كثيره، وقد صبروا وجدوا في طلبه حتى احتازوه فجمعوا الطارف منه والتالد، فلم تطب لهم نفس حتى أقاموا للكرم معاني أدق وأعمق بكثير من تقديم الطعام. فيقول الجاحظ في بيانهِ وتبيانه: "فقد جعلت العرب، الحديث وبسط الوجه والتلقي بالبِشر، والتأنيس، من حقوق القِرى وقديما قالوا: من تمام الضيافة الطَّلاقة عند أوًل وَهلة، وإطالة الحديث عند المواكلة"  وفي إطالة الحديث عند المواكلة  نتدبر عمق السخاء الذي لم يتفق لأُمةُ من الأُمم كما اتفق للعرب. يقول حاتم الطائي: سَلي الجائعَ الغَرثَان يا أم مُنِذر  إذا ما أتاني بين ناري ومجزري هَلَ أبُسطُ وجهي أنه أوَل القِرى   وأبذلُ معروفي له دون مُنكري  ويقول الخريمي: أضاحك ضيفي قبلٌ إنزال رَحلهِ     ويُخصب عندي والمحلُ جديب ومالخِصب للأضياف أن يكثٌرالقِرى    ولكنما وجه الكريمِِ خصيب ويقول الطفيل الغنوي: لحافي لحافُ الضًًيفِ والبيتُ بيتهُ      ولم يُلهني عنه غزالُ  مقنعُ أُحَدثُـــه : إن الحديث من القِرى     وتعلمُ نفسي أنه سوف يهجع...

العقاد وطه في الميزان

  ثورة يوليو 1952 أضخم منعطف في تاريخ العرب المعاصر ويؤرخ من حدوثها، إلى دخول عصر جديد يختلف تماماً عمَا سبقه، فالوطن العربي قد أرتدى حلةُ جديدة، اختلفت فيها الثقافة بشكل يكاد يكون جذري، من سياسة وآداب وفن وحتى الأزياء قد تبدلت. فلا جرم أن العرب قد ظنوا أنهم ودعوا عصر النهضة متأملين القفز إلى الثورة الصناعية على غرار التجربة الأوربية مؤمنين بالشعارات، وجاعلين من الإصلاح السياسي السبيل إلى التقدم.  ولكن، ما لبثت الثورة أن تلاشت أحلامها وأمنياتها، فتجاذبوا أطراف الوطن العربي "القوميون والشيوعيين". ولكن ما يثير التساؤل هنا، هو حال الأدباء الكبار والتغيرات التي طرأت عليهم وتبدل أحوالهم، فكيف كان حالهم قبل الثورة وبعد؟؟ فعباس العقاد بالحقبة الملكية  كان له دوي وصراخ في البرلمان حتى قال مقولته المأثورة" إن الأمة على استعداد لسحق أكبر رأس في البلد يخون الأمة أو يعتدي على الدستور " ومن يقرأ سيرته يدرك دوره الكبير بالسياسة وأثر سلطان قلمه السليط الذي لم ينتهي عند خصماء حزبه الوفد، "الأحرار الدستورين" بل تجاوزهم إلى النازيون وجعل كبيرهم هتلر في الميزان,  فهل صنع با...

رؤية الماضي

 تزعم فرضية فيزيائية بإمكانية رؤية الماضي وما سلف من أحداث غابرة في تاريخ الأرض. فإن سلَّمنا بحقيقة تلك الفرضية فَلَسَوف تفقد القصص التاريخية عنصر الدراما وما يحيط بها من تضخيم وخيال فني، فتصبح حقيقة ثقيلة جافة، فعند ذلك لا مناص من سردها بالخيال المحض ومن غير تجميلها بعنوان " قصة حقيقة ".  ولكنها ستخسر الكثير ويفقد الماضي حفاوة التبجيل ولا يُحفل به!!  لكن حينها من يبالي بالقصص و الحكايات، فلا نريد أولاً سوى عصر النبوة و رؤية النبي صلى الله عليه وسلم وما أجمل النظر الى وجهه الكريم وإن كان خيالاً... يومئذٍ سنسمع الحديث غضاً طرياً من فمه الشريف فتنتهي الى الأبد جدلية صحيح البخاري.. ونرقب حياته وصلاته فتختفي المذاهب والخلافات..   وننصت لِخُطبِه الجامعةِ للكلم فتتلاشى كل الخطب الرنانة.. ونرى الصحابة ملتفون من حوله كما وصفهم عروة بن مسعود فتتساقط كل العمائم.. ونشهد منهجه القويم فلا حاجة لنا للمذاهب السياسية أو ثورة إصلاحية تعيد للإسلام نقاءه.. وبهذا يكون المصطفى عليه الصلاة والسلام قد مسح بيده الشريفة على تاريخ طويل من الألآم و وضع إصبعه على الجراح فتوقف نزيف الدماء. وليست...

الوهم الاجتماعي

 من خلال الوهم الاجتماعي لتحقيق السعادة للإنسان والعدل والمساواة ومحاربة الرجعية،  خرج لنا عبد الناصر الذي لم يكن سوى ضابط صغير، ومن خلال العاطفة وحدها طُمست الحقيقة، إذ لا مكان للعقل أمام العاطفة...عند امتلاك قلوب البشر...  ولم تُهزم العاطفة قَبلُ في صراعها الأبدي ضد العقل. إن قول الحقيقة لا يصنع الثورات، والشعوب لا تريد سماع الحقيقة، بل إنهم يستاؤون من الأدلة ويفضّلون اتباع الأوهام،  ذلك هو الواقع، وكما قال غوستاف لو بون"الحقيقة لا تقود الجماهير وإنما الأوهام هي من تقوم بذلك". وكما هو معروف أن الوعود والتأكيد على السعادة والعدالة الاجتماعية وتوزيع الثروات والمناصب بالتساوي، والكثير من تلك المصطلحات الغامضة والجميلة، والتي تحتاج لمجلدات ضخمة لشرحها، هي التي تبعث الأمل وتثير الحماس لدى الشعوب، ومن يعرف كيف يوظفها بشكل فني ويبرز القوة السحرية في حروفها هو الذي يسمى "الزعيم أو المناضل أو الفاتح أو المهيب" إلى آخره من ألقاب المستبدين الطغاة. على عكسها تماماً قول الحقيقة والتي تكون ثقيلة ومثبطة للحماس وتقتل كل وهم لدى المخيلة الشعبية ،  الشعوب تعشق الأوهام وإن كانت ...