فلسفة الكرم عند العرب

 للعرب في الكرم مسالك عجيبة وأقوال و أشعار كثيره، وقد صبروا وجدوا في طلبه حتى احتازوه فجمعوا الطارف منه والتالد، فلم تطب لهم نفس حتى أقاموا للكرم معاني أدق وأعمق بكثير من تقديم الطعام.

فيقول الجاحظ في بيانهِ وتبيانه:

"فقد جعلت العرب، الحديث وبسط الوجه والتلقي بالبِشر، والتأنيس، من حقوق القِرى وقديما قالوا: من تمام الضيافة الطَّلاقة عند أوًل وَهلة، وإطالة الحديث عند المواكلة"

 وفي إطالة الحديث عند المواكلة  نتدبر عمق السخاء الذي لم يتفق لأُمةُ من الأُمم كما اتفق للعرب.

يقول حاتم الطائي:

سَلي الجائعَ الغَرثَان يا أم مُنِذر  إذا ما أتاني بين ناري ومجزري

هَلَ أبُسطُ وجهي أنه أوَل القِرى   وأبذلُ معروفي له دون مُنكري 

ويقول الخريمي:

أضاحك ضيفي قبلٌ إنزال رَحلهِ     ويُخصب عندي والمحلُ جديب

ومالخِصب للأضياف أن يكثٌرالقِرى    ولكنما وجه الكريمِِ خصيب

ويقول الطفيل الغنوي:

لحافي لحافُ الضًًيفِ والبيتُ بيتهُ      ولم يُلهني عنه غزالُ  مقنعُ

أُحَدثُـــه : إن الحديث من القِرى     وتعلمُ نفسي أنه سوف يهجعُ

ويقول عمرو بن الأهتم:

فقلت له أهلاً وسهلاً و مرحبا      فهذا مبيتُ صالحُ وصديقُ 

وبيت عمروُ هذا يشبهُ ما جاء في شعر المتأخرين من وصية الشريف بركات لأبنه:

الضيف قدم له هلا  حين  يلفيك     مما تطوله يا فتى الجود يمناك

احذر تلقي الضيف مقرن علابيك   خلك محب لك صديق إذا جاك

وجاء الكثير من شعر المتأخرين مما يتفق مع معنى الكرم العميق، وما يشبه الأثر النفسي في شعراء العرب الأوليين.

ومن ذلك وصف محمد السديري للرجل الكريم :

كريم ولا يرخي من البخل حاجبه    جوده إلى شح السحاب يخيل

ومازال العرب يتواصون في الكرم جيلٍ بعد جيلِ ويَرِثُونه كابرٍ عن كابر، حتى خُيل لي أنهم يُرْضِعونهُ ابناءهم، فلاريب أنه انتقل إليهم عبر جينات أسلافهم، وقد حملوا أخلاق الكرم الى البشرية أثناء ازدهار حضارتهم وتمكن سلطانهم فلم تعرف أوروبا أخلاق النبالة ومعنى الفروسية من كرم وشهامة إلا من خلال اتصالهم بعرب الأندلس، ولم يؤثروا الكرم لأنفسهم فأكرموا الإنسانية بنشر الكرم, 

فأولئك هم العرب....فجئني بمثلهم.




 

تعليقات