كنوز من حجر
تركت العمارة العربية تركة غنية للحضارة الإنسانية، ممتدة من الهند إلى اسبانيا، حجارة تنبض بالحياة وقصور تنطق عن تاريخ تليد، ومآذن ذات عماد ومساجد مليئة بالقباب مزخرفة ومنقوشة بخط عربي جميل، تحف فنية تلذ لها الأعين، شاهدة على العظمة الحضارية وجمال الذائقة العربية.
يرجع تاريخ العمارة العربية إلى عصر الفتوحات، عندما اقتبست العرب من البيزنطيين مصادر فن العمارة، ولم يلبثوا طويلاً، حتى تحرروا من تلك المصادر فأبدعوا طراز مستقل منفرداً مليء بالروح العربية.
فالأَقواس مما امتازت به العمارة العربية وهو القوس الذي يكون على نعل الفرس، والقباب ذات الخصر، وأما المتَّدليات أو المقرنصات ابتكار عربي خالص، لا ينازعها أحد في عروبتها، وهي التي تكون على شكل خلية نحل.
وقد تمكن خبراء أوروبيين، من تحديد الألوان التي استخدموها العرب في تزيين جدران قصر الحمراء، بعد أن أفسد الاسبان نسق الألوان وطمسوا جمال النقوش نتيجة التعصب الوحشي.
فاللون الأزرق والذهبي والأحمر هي ألوان القصر، والأعمدة مصبوغة باللون الذهبي وذلك لينسجم مع الزخارف ذات الألوان الكثيرة، وهذا يدل على معرفة فنية كبيرة، وذوق سليم في تحديد أزهى الألوان.
والنقوش والزخرفة استخدمت بديلاً عن التماثيل، ومما ساهم أيضاً في انتشارها هو جمال الخط العربي وانسجامه بشكل عجيب مع النقوش، وعلى ذكر الخط العربي ينقل المؤرخ الفرنسي غوستاف لو بون قصة قراءها عن كاتب يدعى "لافوا" يصف فيها افتتان الغرب في العصور الوسطى بالنقوش العربية وهو أن هذا الكاتب "لافوا" شاهد بنفسه في مكان الأمتعة " المخزن" من كاتدرائية ميلانو، باب مصمم على طراز عربي ويحيط به نقوش مؤلفة من كلمات عربية مكرره وكتابة حول رأس السيد المسيح عليه السلام وخطوط كوفية طويلة على قميص القديس بطرس والقديس بولس، فيعرب غوستاف لوبون عن أسفه ان "لافوا" لم يترجم هذه الكلمات ويقول ساخراً - أي غوستاف لوبون- لعل هذه الكتابة التي حول رأس المسيح هي (لا اله الا الله محمد رسول الله).
وقد تدرجت العمارة العربية على مراحل متعددة على مر التاريخ فكان أولها الطراز البيزنطي العربي كجامع عمرو بن العاص في مصر وجامع عمر في الشام، وجامع قرطبة وقصر العزيزة في صقلية.
ومن ثم الطراز العربي الخالص وهي مرحلة النضوج وذروة الكمال، كقصر الحمراء وقاعة الأسود التي كل حجر فيها عربي خالص، ومسجد قايتباي في مصر أية فنية ضخمة تتجلى بها استقلالية العمارة العربية عن كل عنصر بيزنطي.
ومن ثم الطراز العربي المختلط :
كالعربي الفارسي وهذا بعد أن أكثر الفرس من استعمال المتدليات والخطوط العربية في مساجدهم فأصبحت متأثرة بالفن العربي بعد أن كانت مؤثرة فالسابق وكل عمارتهم بعد الإسلام هو من هذا الطراز الممزوج مع بقاء الطابع الفارسي بشكل عام.
والعربي الاسباني والذي جاء بعد سقوط الأندلس فيظهر جلياً اقتباس النصارى وتأثرهم بالفن العربي، ويرى ذلك من البيوت والكنائس.
والعربي الهندوسي وهو خليط من عناصر الفن العربي والهندوسي ومن أشهرها منارة قطب وباب علاء الدين.
وأخيراً العربي الهندوسي الفارسي أو "المغولي" وهي المباني التي شيدت في العصر المغولي ومنها تاج محل.
ولكن من المؤسف أن تاريخ العمارة العربية مهمل لدى المناهج المدرسية، فلا يعتد به وكان من الأحرى أن يدرس في المدارس كمادة مستقلة تهتم بالجانب الفني و المعنوي لتعزيز الهوية ولكي تميز الأجيال خصائص هذا الفن وأثره وما اضافه الى العمارة البشرية.
فتاريخ العمارة بمثابة الأستاذ الذي يقيّم ويرصد الدرجات وتلاميذه هم الدول والممالك فيصنّفها حضارية كانت ام همجية ويتعرف على تاريخ كل عصر من الحجارة واثر العمران وليس من سجلات المؤرخين التي تتنازعها الأهواء والتعصب.
فلا جرم أن الآثار العمرانية ببقائها على مر العصور هو القياس الأمثل للعظمة والقوة وليس الانتصارات العسكرية وبناء الثكن الكئيبة.
والتاريخ شاهد على امبراطوريات حققت انتصارات عسكرية كبيرة، واستطاعت احتلال بلدان العالم، ولكنها عجزت عن نشر ثقافة وبناء حضارة، فان زال سلطانها زالت تماماً ولم يبقى لها اثر، بيد أن العرب لايزال سلطان حضارتهم حياً برغم غياب سلطانهم السياسي منذ زمن بعيد.
تعليقات
إرسال تعليق